ابن قيم الجوزية

490

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال السري : إن الحياء والأنس يطرقان القلب . فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا . وفي أثر إلهي يقول اللّه عزّ وجلّ : « ابن آدم . إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك ، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من أم الكتاب زلاتك ، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة » . وفي أثر آخر : « أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : عظ نفسك ، فإن اتعظت ، وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس » . وقال الفضيل بن عياض : خمس من علامات الشقوة : القسوة في القلب ، وجمود العين ، وقلة الحياء ، والرغبة في الدنيا ، وطول الأمل . وفي أثر إلهي : « ما أنصفني عبدي ، يدعوني فأستحيي أن أرده ، ويعصيني ولا يستحيي مني » . وقال يحيى بن معاذ : من استحيى من اللّه مطيعا استحيى اللّه منه وهو مذنب ، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح . ومعناه : أن من غلب عليه خلق الحياء من اللّه حتى في حال طاعته ، فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحي خجل : فإنه إذا واقع ذنبا استحيى اللّه عزّ وجلّ من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه ، فيستحيي أن يرى من وليه ومن يكرم عليه : ما يشينه عنده ، وفي الشاهد شاهد بذلك ، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به ، وأحبهم إليه ، وأقربهم منه - من صاحب ، أو ولد ، أو من يحبه - وهو يخونه ، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب ، حتى كأنه هو الجاني ، وهذا غاية الكرم . وقد قيل : إن سبب هذا الحياء : أنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي اللّه عزّ وجلّ . فيستحيي منه في تلك الحال . ولهذا شرع الاستغفار عقيب الأعمال الصالحة ، والقرب التي يتقرب بها العبد إلى اللّه عزّ وجلّ . وقيل : إنه يمثل نفسه خائنا ، فيلحقه الحياء . كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له ، أو من قد أحصر على المنبر عن الكلام . فإنه يخجل أيضا ، تمثيلا لنفسه بتلك الحال . وهذا قد يقع . ولكن حياء من اطلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا . فإنه لو اطلع على غيره ممن هو فارغ البال منه ، لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه . وإنما يلحقه مقته وسقوطه من عينه . وإنما سببه - واللّه أعلم - شدة تعلق قلبه ونفسه به . فينزل الوهم فعله بمنزلة فعله هو . ولا سيما إن قدر حصول المكاشفة بينهما ، فإن عند حصولها يهيج خلق الحياء منه تكرما ، فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء . هذا في حق الشاهد . وأما حياء الرب تعالى من عبده : فذاك نوع آخر . لا تدركه الأفهام ، ولا تكيفه العقول ، فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال . فإنه تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا . ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام . وكان يحيى بن معاذ يقول : سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو . وفي أثر : « من استحيى من اللّه استحيى اللّه منه » .